ماذا يعني لي الراديو..
في طفولتي كنت أنا وأختي التي تكبرني بعامين نختبر أشياء جديدة ومختلفة تمامًا عن أقراننا وأصحابنا في الشارع أو المدرسة، فكنا أول أسرة في العائلة والحي كله تمتلك PlayStation، يُشاركنا في اللعب أبناء خالتي التوأم، كانت أمي بالنسبة لهما هي كل شيء وربما أجمل شيء، اعتقدت لسنوات أن أمي تحبهما أكثر منّا، حتي كبرت ورأيت خوفهما عليها وبِرهما بها، فعرفت أن المحبة لا يمكن أن تزول، وكل معروف مصنوع سيُرد في موضعه أو غير موضعه لا محالة، والعجيب أن خالتي طالما ظنت أنهما يحبان أمي عنها، ظللنا هكذا لسنوات طويلة نغار من أولاد خالتنا لشدة حب أمي لهما، لنكتشف أن بالأخير كانت خالتي تُشاطرنا تلك الغيرة.
وكان أبي كل سنة في الأجازة الصيفية يأتي لنا بأحدث موديل عجل؛ كنت لا أجيد ركوبها ولم أحبها قط فكانت أمي تُمررها لأقاربها كهدية متواضعة، كما كان يأتي بأحدث ساعات الكاسيو التي لم أكن أحبها - أيضًا - فكنت كأمي أمررها لأولاد عمي أوإحدي الصديقات؛ لكني أتذكر جيدًا عندما أحضر أبي لنا راديو جديد وكبير من ماركة Panasonic قفزت قفزة طويلة وأسرعت أجرب الشرائط التي كانت أمي تحتفظ بها من وقت الجامعة، كانت تمتلك كرتونة كبيرة وضخمة من شرائط الكليبات، وحفلات كاملة للست أم كلثوم ونجاة وعبد الحليم، كما كانت تميل لصابر الرباعي وأنغام؛ ولأني كنت مصابة بنحافة شديدة في صغري لم أستطع أن أحمل الراديو أو أحتضنه، فقط أسرعت من الطابق الثالث للأرضي لأصرح لجدي بأنني أصبحت أمتلك راديو، ولن أضطر للسهر معه حتي منتصف الليل لكي أستمع لحفلات ميادة الحناوي أو أم كلثوم، ضحك جدي وقال لي : ماشي يا بنت الكلب خلي راديو أبوكي ينفعك.
حينها لم يكن هناك هواتف، فكنا نستخدم الشرائط ونسجل عليها أشواقنا وآيامنا ومن ثم نقوم بإرسالها إلي قريب سيسافر لأبي، كانت أمي تناديني تقول لي اقرأي علي أبوكي ما حفظتيه، كنت أوافق بشرط ألا تكون السورة هي التكوير أو المرسلات، ثم أتركهما وأغلق باب الشقة وأنزل عند جدي وجدتي، كان جدي يعتمد في يومه علي الراديو؛ حتي لو أن تركيزه لم يكن معه، يكفي بأن صوت الراديو موجود، وكان ينتبه له ليلًا عندما تهدأ أخبار العالم ويهدأ ضجيج البلدة وتذهب جدتي - التي ما دائمًا تعكر مزاجه ومزاجنا ومزاج اللي خلفونا - إلي النوم.
أصيب جدي بشلل نصفي ترك أثرًا كبيرًا وواضحًا في رجله اليمني أما يده كان نصيبها أقل منها، فكان دائمًا ما يستعير بي لإشعال السيجارة، ولأنني لم أكن متمرمسة بشكل كافٍ علي توليع السجائر، كنت أعطيها له وهي نصف مشتعلة ليلومني بعدها علي فشلي الذريع فلو كان يملك حفيدًا ولدًا لما أخطأ مثل ذلك الخطأ، ومع الوقت تمرست عِندًا في جدي الذي أراد أن يستبدلني بحفيد ولد، فأصبحت أضعها علي فمي ثم أسحب منها أول نفس فإذا كان دخانها بحالة جيدة أعطيها له وإن لم يكن كنت أعاود اشعالها، كل هذا طبعًا من وراء أمي؛ لأنها إن عرفت بذلك أغلب الظن أنها كانت ستطين عيشة جدي ذات نفسه،ثم يطلب مني تغيير قناة الراديو، يقول لي لفي البكرة يمين قليلًا أو يسارًا قليلًا، وعندما أصل إلي القناة يقول لي أيوا بس حاولي تقللي الدغوشة، فأقوم بإزاحة البكرة كما يقوم السائق بتدوير سيارته، حتي نحصل علي أعلي جودة للصوت المسموع.
كانت أمي إحدي الفتيات التي طالهن الإسلام السياسي والحجاب في عهد السادات، فالتزمت بالدين منذ مراهقتها علي عكس خالتي التي ظلت ترتدي الميني چيب حتي بعد زواجها ولم ترتدي الحجاب كأمي بل بدأت بتغطية جسدها شيئًا فشيء حتي وصلت لأعلي مراحل احتشامها بأن ارتدت التربون كما ارتدت شرابات طويلة تحت الجيب فوق الركبة كعادة نساء مصر في تلك الفترة، فاعتزلت أمي الأغاني ودأبت علي سماع القرأن وحلقات تفسيره، وساهم الراديو بشكل كبير في تغذية خلفية أمي الدينية، فكانت تضع الراديو في المطبخ أعلي الثلاجة وتقوم بتشغيله ليُسليها حتي تنتهي من غسيل الأطباق وإعداد الطعام، فأصبحت خبيرة فيحفظ مواعيد البرامج وتلاوات القرآن، حتي أنني كنت أستيقظ صباحًا علي تلاوة الشيخ محمد رفعت فأعرف أن الساعة السابعة صباحًا ولستُ بحاجة إلي النظر في الساعة، وعندما يأتي دور الشيخ مصطفي إسماعيل كنت أعرفها أنها الحادية عشر وخمس وأربعون دقيقة وعندما كنت أسمع صوت الأبلة فضيلة كنت أعرف أنها التاسعة صباحًا والخمس وأربعين دقيقة بتوقيت القاهرة، كدأب العرب في الملاحظة الدقيقة والفراسة الفطنة.
ورغم الفرق الشاسع بين راديو جدي وراديو بيتنا؛ إلا أنني أحببت راديو جدي الأحمر بطريقة مغايرة ومختلفة ترجع إلي خِفته وقِدمه وبالتالي أصالته فأستطيع حمله من غرفة لغرفة ومن الڤراندة إلي الصالة، كنت أحبه لأنه أول راديو تعلقت به؛ ربما كان كل ماهو متعلق بجدي ظل محفورًا بذاكرتي للحد الذي تمنيت فيه ألا يرثه أحدًا، وبأن يتركوا كل شيء علي حالته، حتي أرض جدي عندما تم تقسيمها وبيعها، أصابتني غصة كبيرة، لم أرد لشيء أن يضيع، أردت أن أحتفظ بصورته كاملة في مخيلتي وبأشياءه وممتلكاته البسيطة في بيتي.
أذكر مرة عندما كنت في مدينة الإسكندرية، كنت أتمشي بين شوارع محطة الرمل، كان الجو باردًا وشعري يطير في كل الاتجاهات، فكرت في جدي ثم أتبعه صورة الفتي الذي أحبه، صورتان متعاقبتان لا شيء ليربط بينهما، فلا ملامح مشتركة ولا لهجة مشابهة؛ لكنهما أكثر من أحببت؛ فكرت في أن أشتري له راديو كالذي يمتلكه جدي؛ بحثت كثيرًا حتي أجد واحدًا صغيرًا باللون الأحمر، راديو أستطيع أن أحمله كما لو أنني لازِلت طفلة وكما أن يداي النحيلتان لم تشتد عضدهما، صِرت أتنقل من محل لمحل وعندما سألني صاحب إحدي المحلات عن سبب تلك المواصفات الصعبة والسهلة في آنٍ واحد أجبته بكل صراحة أن الراديو لفتي أحبه أريد أن يأخذه معه في الصحراء حيث يقيم فلا أريده ثقيلًا أو بها اختيارات عديدة.
كما لا أريده مميزًا أو علي الموضة؛ فقط أريده كراديو جدي البدائي، لا أريد إبهارًا أو تكلفًا بقدر ما أريد ونسًا وطمأنينة كتلك الطمأنينة التي زرعها راديو جدي - دائمًا - في قلبي، فكما كان الراديو حلقة وصل بيني وبين جدي، أردته بطريقة مشابهة وبسيطة أن يكون حلقة وصل تصل شوقي للرجل الذي أحبه، فيتذكر وجهي النحيل وثغري الباسم وأنفي ذا الانحناءه وشعري الأسود الغجري؛ كانت الموسيقي هي أجمل مراسيل الهوي، فكما كنت أسجل لأبي ما حفظته في القرآن كي يصل له شوقي وسلامي، كنت معلقة آمالًا مشابهة بأن أرسل لمن أحببته شوقي وسلامي أيضًا؛ لا عن طريق التلاوات هذه المرة؛ بل عن طريق الأغاني والموسيقي.
أخبرني البائع حينها أن الراديو يحتوي علي مكان للفلاشة، تستطعين أن تحملي عليها ما شئتِ له من أغاني، نويت شراء فلاشة واخترت أول أغنية سأسجلها عليها، كانت أول أغنية أرسلها لي بعدما قال لي " بحبك " بعدها كنت متأكدة أنني سأضع نجاة وهي بتغني يا مرسال الهوا روح بلغه مرسالي، وحفلة عبد الحليم المفضلة " ابقي افتكرني " ولأننا كنا نشاهد المسلسل المصري ريفو معًا كنت سأختار كل أغانيه، وربما وضعت له بعض التسجيلات الصوتية لي وأنا أقرأ له كلمات سبارتاكوس الأخيرة لأمل دنقل، أو أن أحكيله ليلة من الألف ليلة وليلة لشهرزاد، كانت الفلاشة ستمتليء بكل ما أردت قوله ولم أستطع التعبير عنه أو صياغته يومًا ما.
لم أحكِ لهذا الفتي تلك الحكاية، فقط كعادتي أعطي بصمت، أحب بصمت، أرحل في صمت، أحزن في صمت، وكما أوصتنا رضوي عاشور بأن " الحكايات التي تنتهي لا تنتهي مادامت قابلة أن تُروي " لازِلت أعتقد أن حكاية الراديو الخاص بجدي لازالت هي أيضًا قابلة لأن تروي وأنها لم تنتهي عند هذا الحد، أما قصتي مع الحب أغلب الظن أنها انتهت برغم ذلك سأرويها للأصدقاء،وربما سأمررها لإحدي بناتي عندما تأتي تشكي لي الحب أو خذلان رجل أحبته.
أتذكر الجواب الذي كتبته مع الراديو كانت كلماته متقطعة لنقصٍ في حبر القلم علي شاطيء البحر في ليلة فبراير شديدة البرودة،لم أعتمد الفصاحة أو البلاغة، فقط كتبت خارج كرتونة الراديو " أتمني أن تُعيدك الموسيقي لي، وأن تتذكرني مع كل لحنٍ عذب وكل غنوة حنونة، وفي كل مرة تختارك غنوة من الراديو تيقن أن سبق وأن اخترتك وفي كل مرة سأختارك " وستظل تلك الكلمات دائمًا ماتعني لي الراديو يجاورها وجه جدي وبيده اليمني سيجارته في حوش الدار الواسع..


عندك اسلوب روائي اعجبني لانه من الممكن يشبه لاسلوب الروائي القريب الى قلبي عبد الوهاب السيد الرفاعي فوجدت نفسي اقراء بتمعن شديد تاركة كل اوراقي و اختباراتي خلفي شعرت ان رغبتك في الكلام في الواقع محدودة للغاية فاردت ان تروي حكايات قد تبدوا تافهة للبعض في مجتمعنا للأسف او لانك لن تجدي مستمعا منصتا و لاكنني احببتها للغاية وقد استمر حقا في قراءة هذه النبذات اللطيف من الجيل القديم التي تحرك مشاعري الجياشة بشكل قوي للغاية و التي تاخدني بقطار الخيال الى محطة لم اكن ادرك وجودها اصلا
أول عهدي بالراديو كان مفيش أوبشن الشرايط، بس فاكرة قد إيه كان بيسليني لو الكهربا قطعت، وساعات مكنتش بسمع عليه حاجة وبفضل حاطاه جنبي بلا هدف، بتأمل فيه
مقال جميل أوي، تسلم إيدك